تلاوة القرآن الكريم ..بين الواجبات و التجاوزات(2) قراءة القرآن في المحافل

3-   إذا جلست تتكهن ما هو الدوافع لدى الشخص واضع القرآن عبر المئذنة , و فكرت في حسن نية لوجدت أن أفضلها التذكير بمواقيت الصلاة , أو الإيقاظ على صلاة الفجر , أو التنبيه إلى وقت الإفطار و السحور..

و على فرض أن جميع المنبهات و الساعات قد تعطلت و أننا في عصر ما قبل التاريخ إلا من مكبر أتانا من المستقبل فإننا سنصطدم بجدر شرعية أولها أنه لا يجوز قراءة القرآن عند النائم و لا يجوز قراءة القرآن عند المصلي و لا عند المريض , و إذا فرضنا أن جميع من عليها صاحون أصحاء غير مشغولين بصلاة فإن مجرد الأذان كاف للتذكير بوقت الصلاة و لا داعي لابتداع شيء لم يأمر به الله و لم يأذن به رسول الله و لن تجد فيه أي مصلحة شرعية

فأحكام سماع القرآن الكريم عند تلاوته ثلاثة :

1)   إذا كان القرآن يتلى في مجلس خاص بتلاوة القرآن , فعندها يجب الإنصات على السامع , و يأثم في حال عدم إنصاته , و هذا كما في حالة حلقة خاصة بالتلاوة و التجويد في مسجد من المساجد في وقت معين مخصص لهذه الحلقة .

2)   إذا كان القرآن يتلى في مجلس خاص بالقراءة لكن هذا المجلس غير مناسب , فيجب الاستماع و الإنصات , و إن لم ينصت السامع أثم القارئ و السامع في هذه الحالة , كمن يقرأ القرآن في المقابر و يعقد لذلك جلسة مخصصة للتلاوة و لكن ذلك المكان ليس مكاناً مناسباً لهذه الجلسة , فلا بد أن يختلط صوت القرآن بأصوات الداخلين و الخارجين و غير ذلك , و في هذه الحالة يأثم كلا الطرفين في حالة عدم الإنصات.

3)   إذا كان القرآن يتلى في غير مجلس قراءة , فلا يجب هنا الإنصات و الإثم واقع على القارئ أو على من يضع شريط القارئ كما في حالات كثيرة , كحالات العزاء و وضع القرآن عبر المآذن و وضعه ضمن السيارات الخاصة بنقل الموتى , و هذه الحالات شائعة و كثيرة للأسف .*

و من النكت الجديدة التي سمعتها في هذا الصدد أن شخصاً معروفاً سأله أحدهم “هل حقاً لا يجوز وضع القرآن عبر المآذن” فما كان من ذلك العبقري إلا أن أجابه على الفور : “لا ترد عليهم , إذا نحن لم نضع القرآن على مآذننا فهل ننتظر النصارى حتى يضعوه لنا ؟!”

يجرنا الحديث عن هذه النقطة إلى بحث قضية قراءة القرآن في شتى المحافل أفراحها و أتراحها شرعيها و لا شرعيها

و لعلنا وصلنا إلى درجة مستفحلة من حب الاستعراض حتى أصبحنا ندمج تلاوة القرآن في بداية كل محافلنا ما وافق منها الشرع و ما لم يوافق , و تخيل المفارقة التي ستعترض ذهنك عندما ترى مذيعاً أو عريف حفل يقدم لرقصة شعبية أو لأغنية بعد شيء من آيات الذكر الحكيم يتلوها على مسامعكم قارئ استأجر كما استأجرت فرقة الدبكة أو كراسي الحفلة إن شئت !**

و تفصيل هذه المسألة على عدة حالات :

1-   أما قراءة القرآن في الموالد فإن روعي في ذلك التلاوة المتقنة من قارئ لا يغلب النغمة على أحكام التجويد و لا يتلاعب بصوته في القرآن كما يتلاعب المغنون , و إن تحقق الإنصات الجيد دون أن تدار كؤوس الشاي و فناجين القهوة و صحون السجائر فلا حرج في ذلك , و عمله مبرور بإذن الله شرط اعتدال صوت المكبرات بحيث لا يزعج الجوار , و إذا أردت أن تتحقق من ذلك في موالدنا فلن تنال نتيجة مرضية .

2-   و أما قراءة القرآن في الأتراح و مجالس العزاء فحتى تتحقق المصلحة المرجوة من التلاوة وجب تخصيص وقت محدد لها بحيث يؤمن جو من الإنصات و السكينة دون التشويش بالقيام و القعود للداخل و الخارج و مدوري فناجين القهوة المرة , و أما واقع الحال فينبئنا عن شريط كاسيت يخلق على كثرة التقليب بين وجهيه منذ صحوة المعزين و المتعزين في الفجر و حتى هدأتهم عند النجر , و عن قراء ممتهنين يلوكون الآيات الشريفة بأفواههم و يمضغون ألسنتهم و يقعرون أفواههم و يعوجون فكوكهم و يرعدون أصواتهم و يمططون الشدات و يقطعون المدات و يطننون الغنات و يحصرمون الراءات إلى آخر ذلك من التجاوزات في ترتيل القرآن على حساب النغم و التطريب , و لا مكان في هذا المقام لحصر الأخطاء الشرعية التي تقع في مثل تلك المجالس , و نتيح لك أخي قارئ المقال و لفقهك أن تتبين تلك الأخطاء ..

فإذا خلت تلك المجالس من التجاوزات آنفة الذكر فلا حرج أن يقرأ فيها القرآن

———

*ورد ذكر كراهة القرآن عند النائم في حاشية ابن عابدين إذ ذكرها بقوله “إزعاج الأعضاء”

** في هذا إشارة إلى مفارقة تجري في قارة , و هي ما يسمى بـ”حفل تكريم المتفوقين” إذ يفتتح هذا الاحتفال بتلاوة للقرآن في محفل مختلط , و بعد القرآن يقدم عريف الحفل مطرباً مع فرقة دبكة مستأجرة خصيصاً من لبنان , فانظر رعاك الله إلى هذه الإهانة لكتاب الله عز و جل ! و العجيب أن كثيراً ممن عُمِّي على أبصارهم و بصائرهم ما زالوا حتى الآن يروجون لهذه الاحتفالات بشتى الصور و مقاطع الفيديو في مختلف المواقع!

4 رد على تلاوة القرآن الكريم ..بين الواجبات و التجاوزات(2) قراءة القرآن في المحافل

  1. زائر يقول :

    سبحان الله يا شيخ تاج الدين ،أأتاك أن تلاوة القرآن في المحافل بدعة ، ولم يأتك أن الموالد التي تذكرها بدعة !!

  2. أبو محمد يقول :

    بارك الله بكم و جزاكم خيرا و هذه من الامور التي نغفل عنها ……….. نسأل الله أن يوفقنا للصواب

  3. تاج الدين القاري يقول :

    الأخ الزائر ؛

    لم أتطرق إلى أن تلاوة القرآن في المحافل بدعة , لكنني أشرت إلى التجاوزات التي تحصل في شتى المحافل بعد أن بينت الآداب و الواجبات الواجب اتباعها أثناء تلاوة القرآن الكريم .

    ثانياً : حديثي يخص تلاوة القرآن الكريم في المحافل و لا يخص الموالد و لا التعازي بحد ذاتها , و في تعليقك خروج عن محور المقال .

    ثالثاً : إذا كنت ممن يحبون الاطلاع و أحببت أن تعرف حكم المولد بشكل مختصر مع الأدلة , فأنصحك بتحميل الدرس الصوتي المسمى “البدعة” من خلال تبويب “الصوتيات”

    لك مني الشكر على مرورك

  4. علاء الدين يقول :

    السلام عليكم ولاحمة الله وبركاته
    أسأل الله العظيم رب العرش العظيم ان يوفقك لكل خير ويلهمك الصواب ويبعدك عن الخطا ويحفظك من الشيطان الرجيم ومن زلات اللسان وان يجمعنا واياكم في الجنة مع النبيين والصالحين

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.