تلاوة القرآن الكريم …بين الواجبات و التجاوزات(1)
اغسطس 30, 2010 أترك تعليقا
بسم الله الرحمن الرحيم , الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين , و بعد :
ما من شك أن تلاوة القرآن الكريم من أعظم و أجل القربات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه , و لذلك وضع الشارع عز و جل لقراءة القرآن ضوابط و أحكاماً لا يجوز الخروج عنها , كما أنه عز و جل علمنا عن طريق نبيه صلى الله عليه و سلم كيفية خاصة لقراءة القرآن أرسل بها سيدنا جبريل عليه السلام , و أمر سبحانه بالالتزام بهذه الكيفية فلم يجز الخروج عنها , و هذه الكيفية هي المسماة بالترتيل أو التجويد , و خير ما يعرف التجويد هو قول الإمام ابن الجزري رحمه الله :
و هو إعطاء الحروف حقها — من كل صفة و مستحقها
و رد كل واحد لأصـــــــله — و اللفظ في نظيره كمثله
و في هذا الصدد أذكر خَطَأ عددٍ من الأمور الشائعة , و هي التالية :
من الخطأ أن نعتبر التجويد – كما يجيب البعض عندما يسألون عن تعريفه – فرعاً من فروع القراءات القرآنية , و الصحيح هو ما أسلفت أي إن التجويد هو الطريقة الخاصة التي يقرأ بها كتاب الله عز و جل .
- درج في الآونة الأخيرة ما يسمى بالختمة المرتلة و الختمة المجودة , و قصد بالثانية الختمة التي يقرأ فيها القارئ القراءة البطيئة , أما الأولى فتختص بالقراءة السريعة , لكن أحداً من علماء التجويد لم يصنف هذا التصنيف , فما عرف منذ وضع ضوابط و أصول علم التجويد أنه هو الترتيل ذاته الذي أمر به المولى عز و جل بقوله :
(و رتل القرآن ترتيلاً)
و أما مراتب سرعة القراءة فقسمها العلماء إلى ثلاث مراتب :
1- مرتبة التحقيق : و هي التي يقرأ فيها القارئ القراءة البطيئة فيعطي فيها كل الحروف حقها من إشباع المد و تحقيق الهمز , و إتمام الحركات , و توفية الغنات , و بيان الحروف و القراءة بتؤدة و اطمئنان .
2- مرتبة الحدر : و هي مرتبة يسرع فيها القارئ في القراءة مع الالتزام بكافة أحكام التجويد .
3- مرتبة التدوير : و هي المرتبة التي يتوسط فيها القارئ بين مرتبة التحقيق و مرتبة التدوير .
و في كل مرتبة من تلك المراتب تناسب في أزمنة الغنات و المدود و الحركات و الحروف يختلف عما سواها من المراتب في سرعة الأداء , و يجمع المراتب الثلاثة قول الإمام ابن الجزري رحمه الله :
و يقرأ القرآن بالتحقيق مع —– حدر و تدوير و كل متبع
مع حسن صوت بلحون العرب —- مرتلاً مجوداً بالعربي
و من كلمة “مرتلاً” في البيت الثاني يفهم أن حالة الترتيل تعتري القارئ بأي مرتبة قرأ, أي حالة كونه مرتلاً .
و من الإشكالات المطروحة قضية وضع القرآن على المآذن قبل صلاة الفجر أو أي صلاة أخرى , فما حكم هذه المسألة ؟
فهذه أزمة حقيقية ظاهرها فيه الرحمة و باطنها من قبله العذاب , و أستغرب بشدة تعطل الأذهان الشرعية عند هذه المسألة تحديداً , و عدم التنويه لها في سائر الخطب و اللقاءات و المناظرات و ما شاكل ..
و أما حكمها فهو غير جائز بلا أدنى شك , و ذلك لعلل عدة :
1- قول الله عز و جل :
( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) الإسراء -204-
و مستحيل أن تتحقق حالة الإنصات لدى جميع من يصله صوت القارئ عبر المآذن و مكبراتها الصوتية , ففي ذلك تعطيل كامل لسير الحياة المعيشية إلى درجة أن من كان يقرأ القرآن بشكل مفرد أصبح يتوجب عليه ترك تلاوته تلك و الإنصات إلى صوت ذلك القارئ , و لا يمكن في هذه الحالة أن نعتبر سائر غير المنصتين آثمين ثم نعتبر أن الشخص الذي وضع تلاوة القرآن عبر المئذنة هو المرء الصالح الذي بادر إلى عمل شرعي مفيد , بل على العكس فإنه قد باء بإثمهم جميعاً و لم يحملوا هم إثماً لأنهم كانوا مضطرين لعدم الإنصات .
2- إذا تجاوزنا الحالة الأولى و أنصتنا على قلب رجل واحد خاشعين لهذه الأصوات الشجية و النداءات السامية اعترضتنا مشكلة أعقد , فلمن سنستمع ؟
هل سننصت لصوت القارئ عبد الباسط عبد الصمد يقرأ سورة الكهف من مئذنة الجامع الكبير , أم سنتدبر ما يتلوه علينا الشيخ المنشاوي من مئذنة جامع الشيخ علي ؟ أم سنوجه رادارات آذاننا لنلتقط ما تتحفنا به مئذنة جامع رقية ؟ و كيف لي أن أجمع ذلك مع صوت فيروز من مكبرات حاسوب جارنا ؟!
لعلني إذاً بحاجة إلى واحد و ستين صيواناً أغلق أحدها عن صوت فيروز و لعلي أرسلها كلها على رأي المتساهلين , أو المتفيهقين ؟!
يتبع إن شاء الله ..

