العلم و العلماء..(7) من متممات العالم قول”لا أدري”

قال عبد الله بن عمر:

5710 – “العلم ثلاثة : كتاب ناطق ( أي مبين واضح ) , وسنة ماضية, (أي جارية مستمرة ظاهرة) , ولا أدري ( أي قول المجيب لمن سأله عن مسألة لا يعلم حكمها لا أدري )”

- رواه الدارقطني والخطيب البغدادي و روي مرفوعاً-

قال ابن عطاء الله :

(من علامة جهل السالك بطريق علم الظاهر أو الباطن أن يجيب عن كل ما يسأل عنه ويعبر عن كل ما شهد ويذكر كل ما علم لدلالته على أنه لم يكن بالله ولا لله بل لنفسه , إذ النفس مع العقل والتمييز , ومن طلب الحق بالعقل ضل وكان دليلا على جهله .)

وقال الماوردي :

( ليس بمتناه في العلم إلا ويجد من هو أعظم منه بشيء , إذ العلم أكثر من أن يحيط به بشر)

وقيل لحكيم : من يعرف كل العلم , قال : ” كل الناس”

وقال الشعبي :

( ما رأيت مثلي ولا أشاء أن ألقى رجلا أعلم مني إلا لقيته ) وهذا لم يقله تفضيلاً لنفسه بل تعظيماً للعلم أن يحاط به , و كلما يجد بالعلم معجباً وبما أدركه منه مفتخراً إلا من كان فيه مقلاً مقصراً لأنه يجهل قدره ويظن أنه نال بالدخول أكثر من غيره , وأما من كان فيه متوجها ومنه مستكثراً فهو يعلم من بُعد غايته والعجز عن إدراك نهايته ما يصده عن العجب به.

وقالوا :

( العلم ثلاثة أشبار فمن نال منه شبراً شمخ بأنفه وظن أنه هو , ومن نال منه الثاني صغرت إليه نفسه وعلم أنه ما ناله , و أما الثالث فهيهات لا يناله أحد)

قال الماوردي :

( و مما أنذرك من حالي أني صنفت في البيوع كتاباً جمعت له ما استطعت من كتب الناس وأجهدت فيه نفسي وكدرت فيه خاطري حتى تهذب واستكمل وكدت أعجب به وتصورت أني أشد الناس اضطلاعاً بعلمه ؛ فحضرني أعرابيان فسألاني عن بيع عقداه بالبادية على شروط تضمنت أربع مسائل لم أعرف لشيء منها جوابا , فأطرقت مفكراً ولحالي معتبراً فقالا : “ما عندك له جواب وأنت زعيم هذه الطائفة “, قلت :” لا “، فقالا : “أيها لك ” وانصرفا , فسألا من يتقدمه في العلم كثير من أصحابي , فسألاه , فأجابهما مسرعاً فانصرفا راضيين بجوابه حامدين لعلمه , فبقيت مرتبكاً فكان ذلك  زاجر نصيحة وتدبر عظمة .)

وأخذ من الحديث أن على العالم إذا سئل عما لا يعلمه أن يقول :

“لا أدري” أو “لا أتحققه” أو “لا أعلمه” أو “الله أعلم” ، وقول المسؤول “لا أعلم” لا يضع من قدره كما يظنه بعض الجهلة , لأن العالم المتمكن لا يضرُّ جهله ببعض المسائل بل يرفعه قوله “لا أدري ” لأنه دليل على عظيم محله , و قوة دينه , وتقوى ربه , وطهارة قلبه , وكمال معرفته , وحسن نيته ؛ وإنما يأنف من ذلك من ضعفت ديانته , وقلت معرفته لأنه يخاف من سقوطه من أعين الحاضرين ولا يخاف من سقوطه من نظر رب العالمين وهذه جهالة ورقة دين.

و قد نقلت كلمة “لا أدري”و “لا أعلم” عن الأئمة الأربعة والخلفاء الأربعة , بل عن المصطفى صلى الله عليه وسلم وجبريل عليهما السلام كما مر في حديث خير البقاع المساجد وفي مسند الدارمي موصولا من عدة طرق أن علياً كرم الله وجهه سئل عن مسألة فقال :

“لا علم لي بها”  ثم قال : “وأبردها على كبدي سئلت عما لا علم لي به فقلت لا أعلم”

وَرُوِيَ { أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْبِقَاعِ خَيْرٌ ، وَأَيُّ الْبِقَاعِ شَرٌّ ؟ فَقَالَ : لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ جِبْرِيلَ } .

وفيه أن رجلا سأل ابن عمر عن مسألة فقال :” لا علم لي بها” , فولى الرجل فقال ابن عمر : “نعم ما قال ابن عمر”

وأخرج أبو داود في الناسخ والمنسوخ وابن مردويه عن خالد بن أسلم: خرجنا نمشي مع ابن عمر فلحقنا أعرابي فسأله عن إرث العمة فقال :” لا أدري ” قال : ” أنت ابن عمر ولا تدري ! ” قال : “نعم , اذهب إلى العلماء”  فلما أدبر قبل ابن عمر يديه وقال :” نعم ما قلت”

وأخرج البخاري عن ابن مسعود :

(من علم شيئا فليقل به , ومن لم يعلم فليقل “الله أعلم” , فإن من علم الرجل أن يقول لما لا يعلم الله أعلم )

ورواه الدارمي بلفظ (إذا سئل العالم عما لا يعلم قال : الله أعلم)

وأخرج الهروي عن ابن مسعود :

(إذا سئل أحدكم عما لا يدري فليقل لا أدري فإنه ثلث العلم)

وأخرج الحازمي في سلسلة الذهب عن أحمد عن الشافعي عن مالك عن ابن عجلان :

( إذا أخطأ العالم لا أدري أصيب في مقاتله )

والأخبار والآثار في هذا كثيرة وإنما أطلت بإيراد هذه النبذة لما تطابق عليه فقهاء زماننا من التحاشي عن ذلك والمبادرة إلى الجواب باللسان والقلم كيف كان.

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ :

( مِنْ الْعِلْمِ أَنْ لَا تَتَكَلَّمَ فِيمَا لَا تَعْلَمُ بِكَلَامِ مَنْ يَعْلَمُ , فَحَسْبُك جَهْلًا مِنْ عَقْلِك أَنْ تَنْطِقَ بِمَا لَا تَفْهَمُ .)

وَلَقَدْ أَحْسَن زُرَارَةُ بْنُ زَيْدٍ حَيْثُ يَقُولُ :

إذَا مَا انْتَهَى عِلْمِي تَنَاهَيْتُ عِنْدَهُ                                                أَطَالَ فَأَمْلَى أَوْ تَنَاهَى فَأَقْصَرَا

وَيُخْبِرُنِي عَنْ غَائِبِ الْمَرْءِ فِعْلُهُ                                           كَفَى الْفِعْلُ عَمَّا غَيَّبَ الْمَرْءُ مُخْبِرَا

فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إلَى الْإِحَاطَةِ بِالْعِلْمِ سَبِيلٌ , فلَا عَارٌ أَنْ يَجْهَلَ بَعْضَهُ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي جَهْلِ بَعْضِهِ عَارٌ , لَمْ يَقْبُحْ بِهِ أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ فِيمَا لَيْسَ يَعْلَمُ .

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :

(وَمَا أَبْرَدَهَا عَلَى الْقَلْبِ إذَا سُئِلَ أَحَدُكُمْ فِيمَا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ أَعْلَمُ ، وَإِنَّ الْعَالِمَ مَنْ عَرَفَ أَنَّ مَا يَعْلَمُ فِيمَا لَا يَعْلَمُ قَلِيلٌ .)

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا :

( إذَا تَرَكَ الْعَالِمُ قَوْلَ لَا أَدْرِي أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ)

وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ :

( هَلَكَ مَنْ تَرَكَ لَا أَدْرِي )

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ :

( لَيْسَ لِي مِنْ فَضِيلَةِ الْعِلْمِ إلَّا عِلْمِي بِأَنِّي لَسْت أَعْلَمُ )

وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ :

(مَنْ قَالَ لَا أَدْرِي عَلِمَ فَدَرَى ، وَمَنْ انْتَحَلَ مِمَّا لَا يَدْرِي أُهْمِلَ فَهَوَى ، وَلَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ وَإِنْ صَارَ فِي طَبَقَةِ الْعُلَمَاءِ الْأَفَاضِلِ أَنْ يَسْتَنْكِفَ مِنْ تَعَلُّمِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ لِيَسْلَمَ مِنْ التَّكَلُّفِ )

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :

(خَمْسٌ خُذُوهُنَّ عَنِّي فَلَوْ رَكِبْتُمْ الْفُلْكَ مَا وَجَدْتُمُوهُنَّ إلَّا عِنْدِي : أَلَا لَا يَرْجُوَنَّ أَحَدٌ إلَّا رَبَّهُ ، وَلَا يَخَافَنَّ إلَّا ذَنْبَهُ ، وَلَا يَسْتَنْكِفْ الْعَالِمُ أَنْ يَتَعَلَّمَ لِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ , وَإِذَا سُئِلَ أَحَدُكُمْ عَمَّا لَا يَعْلَمُ فَلْيَقُلْ لَا أَعْلَمُ ، وَمَنْزِلَةُ الصَّبْرِ مِنْ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ )

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا :

” لَوْ كَانَ أَحَدُكُمْ يَكْتَفِي مِنْ الْعِلْمِ لَاكْتَفَى مِنْهُ مُوسَى – عَلَيه مع نَبِيِّنَا الصلاة و السَّلَامُ – لَمَّا قَالَ : { هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا }”

وَأَنْشَدَ أَبُو الْقَاسِمِ الْآمِدِيُّ :

إذَا كُنْت لَا تَدْرِي وَلَمْ تَكُ  بِاَلَّـــــذِي                  يُسَائِلُ مَنْ يَدْرِي فَكَيْفَ إذًا تَدْرِي

جَهِلْت وَلَمْ تَعْلَمْ بِأَنَّك جَاهِل                             فَمَنْ لِي بِأَنْ تَدْرِي بِأَنَّك لَا تَدْرِي

إذَا كُنْت مِنْ كُلِّ الْأُمُورِ مُعَمِّيًا                          فَكُنْ هَكَذَا أَرْضًا يَطَأْكَ الَّذِي يَدْرِي

وَمِنْ أَعْجَبِ الْأَشْيَاءِ أَنَّك لَا تَدْرِي                      وَأَنَّك لَا تَدْرِي بِأَنَّك لَا تَدْرِي

وَقَدْ قَسَّمَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ أَحْوَالَ النَّاسِ فِيمَا عَلِمُوهُ أَوْ جَهِلُوهُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ مُتَقَابِلَةٍ لَا يَخْلُو الْإِنْسَانُ مِنْهَا فَقَالَ :

( الرِّجَالُ أَرْبَعَةٌ : رَجُلٌ يَدْرِي وَيَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي فَذَلِكَ عَالِمٌ فَاسْأَلُوهُ ، وَرَجُلٌ يَدْرِي وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي فَذَلِكَ نَاسٍ فَذَكِّرُوهُ ، وَرَجُلٌ لَا يَدْرِي وَيَدْرِي أَنَّهُ لَا يَدْرِي فَذَلِكَ مُسْتَرْشِدٌ فَأَرْشِدُوهُ ، وَرَجُلٌ لَا يَدْرِي وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ لَا يَدْرِي فَذَلِكَ جَاهِلٌ فَارْفُضُوهُ )

وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْهَلَ مِنْ نَفْسِهِ مَبْلَغَ عِلْمِهَا ، وَلَا يَتَجَاوَزَ بِهَا قَدْرَ حَقِّهَا , وَلَأَنْ يَكُونَ بِهَا مُقَصِّرًا فَيُذْعِنُ بِالِانْقِيَادِ ، أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ بِهَا مُجَاوِزًا ، فَيَكُفُّ عَنْ الِازْدِيَادِ ؛ لِأَنَّ مَنْ جَهِلَ حَالَ نَفْسِهِ كَانَ لِغَيْرِهَا أَجْهَلَ .

وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا :

{ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَتَى يَعْرِفُ الْإِنْسَانُ رَبَّهُ ؟ قَالَ :” إذَا عَرَفَ نَفْسَهُ “} .

و قال العلماء :

(لا أدري نصف العلم , ومن سكت حيث لا يدري لله تعالى فليس بأقل أجراً ممن نطق لأن الاعتراف بالجهل أشد على النفس )

سأل إبراهيم النخعي الشعبيَ- الإمام الذي كان عالم زمانه في التابعيين -عن مسألة فقال الشعبي : “لا أدري” فقال النخعي :

“هذا و الله العالم”

و الحمد لله رب العالمين .

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.