دخن عليها تنجلي..(3) احتجاج بآراء القدماء

ذكرت بعض فتاوى علماء المسلمين المعاصرين في قضية التدخين , فما هي حقيقة الاحتجاج عند بعض المدخنين ببعض الفتاوى القديمة التي تبيحه ؟

في هذا الفصل نبين أراء العلماء القدامى الذين أباحوا التدخين مع الرد على تلك الأقوال من أفواه أصحابها ما وسعنا في هذا المقام .

ذكر بعض علمائنا القدامى الذين أباحوا التدخين شروطاً لتلك الإباحة, بتحقيقها تتحقق الإباحة و بفقدها تتعين الحرمة و من هؤلاء العلماء:

1)  الشيخ عبدالغني النابلسي رحمه الله:

ذكر إباحة التدخين في عدد من كتبه أهمها :

1-نهاية المراد في شرح هدية ابن العماد

2-مصالحة الإخوان في إباحة الدخان

ذكر أن الدخان مباح بشروط وهي :

1-ألا يضر هذا الدخان بجسد المدخن, إذ قال :

(فيحرم عليهم التضرر به)

كما نوَّه إلى أن أطباء عصره لم يكتشفوا مضار للتدخين (منذ حوالي 300سنة) , لكن أحد محققي الكتاب و هو الشيخ العالم الفاضل عبد الرزاق الحلبي ذكر في الحاشية أن أطباء هذا الزمان اكتشفوا الضرر بل الضرر البالغ الذي يحدثه التدخين كيفما تعاطاه المدخن.

و في هذا إشارة إلى نفي الحكم لاختلاف القاعدة التي كان يستند عليها الشيخ عبد الغني رحمه الله لإباحته و هي عدم الضرر .

2-ثم إن المصنف الشيخ النابلسي رحمه الله قال :

(و إنما ينبغي للإنسان إذا سئل عنه و كان ممن يتعاطاه ثم عافاه الله منه ألا يقول بحرمة هذا التتن)

فذكر المحقق (أي الشيخ عبد الرزاق الحلبي) في الحاشية (و لعل إشارته بقوله عافاه , تشير إلى أنه بلاء و محنة محققة)

3-إن المدخن يضر من حوله (بالتدخين السلبي) و الله تعالى قال:

(و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً و إثماً مبينا)

4-لم يعد الشيخ في كتابيه شراء الدخان من الإسراف و لا من التبذير لأنه قال بإباحته , و لما تقدم معنا غير ذلك أصبح شراؤه تبذيراً و الله تعالى قال :

(إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين و كان الشيطان لربه كفوراُ)

فهذا سبب أخر للحرمة مبني على سبب أصلي .

5- لم يعتبر المصنف رائحته الكريهة سبباً للحرمة لأنه وازاه بالبصل و الثوم , و لكن شتان ما بين الفوائد العظيمة للبصل و الثوم و المضار المهلكة للتدخين , و إن ما غلب ضرره على نفعه يحرم شرعاً فكيف بالذي يكون كله ضرراً خالصاً ؟!

2)  الشيخ عبد القادر القصاب رحمه الله:

ذُكر في كتاب (العلامة الشيخ عبد القادر القصاب) في الصفحات (58-59) أن رجلاً سأل الشيخ عن حكم التدخين فأجابه الشيخ بأبيات من الشعر قائلاً:

إن كان يؤذيه بعقلٍ أو بدن                أو كان مضطراً إلى دفع الثمن

فيحرم استعماله و حيث لم                يضره فهو مبـــاح لم يـــــــــلم

و كل شخص يكره الغرامة               ما لم يلاحظ عندها غرامـــــه

فها هو الشيخ القصاب يجعل شروطاُ لإباحة التدخين و هي :

1- ألا يضر هذا الدخان بجسد أو عقل متعاطيه , و العلم اليوم يثبت ضرره على البدن و العقل معاً, فقد لوحظ  في دراسة أن مستوى الذكاء ينخفض عند المدخنين (من قبل أن يدخنوا إلى أن يدخنوا و هو منخفض بشكل عام عند المدخنين إذا ما قورن به عند غير المدخنين)

2-ألا يكون دفع ثمن الدخان يضايقه أو يقدر الرزق على أهله , و أياً يكن من يدفع ثمن الدخان فسيسأل أمام الله عز و جل عن هذا المال الذي أنفقه في شيء كان يظن الشيخ في عصره أن لا جدوى منه, ثم اكتشف العلم أن الجدوى هي المضرة  بشتى أشكالها.

3)  الشيخ الطبيب المفتي محمد أبو اليسر عابدين:

قال في حديثه عن التتن(و كان هكذا قد سمي في زمانه):

(منهم من قال بحرمته و منهم من قال بكراهته و منهم من قال بإباحته لأن أضراره لم تكن واضحة, و الأصل في الأشياء الإباحة , فإذا كان عالم قديم أباح الدخان فبسبب نقص حاد في معرفتهم بأضرار التدخين و لو انتهت إلى علمهم الحقائق القاطعة عن مضار التدخين لكانوا أسرع منا في تحريم الدخان)

فالملخص مما سبق أن العلماء المحدثين مجمعون على حرمته لأسباب عديدة أولها ضرره الصحي الذي يلحق بالمتعاطي و من يجاوره,و أما السابقون فقد اختلفوا فمنهم من قال بحرمته و آخرون قالوا بإباحته بشروط أولها ألا يضر بصحة من يتعاطاه و لما اكتشف الطب الحديث ضرره (و هو الحكم في تحديد ذلك) كانت الحرمة متحققة لا محالة.

ملاحظة هامة :

يكرر بعض الناس قول :

“إن الدخان مكروه و ليس حراماً”

و لا أخفيكم أن كلام من يقول هذا صحيح على المذهب الحنفي , ذلك أن الأحناف لا يقولون بحرمة شيء ما لم يرد فيه دليل قطعي الدلالة , و  أما الأمور التي لم يرد فيها نهي صريح أو كان دليلها ظني الدلالة  (كالحديث الصحيح) فتأخذ حكم الكراهة التحريمية , و لا بد أن نذكر إذن أن الفرق عندهم بين الحرام و الكراهة التحريمية في نوعية الدليل لا في نوع العقوبة , فالأحكام المترتبة على الحرام و الكراهة التحريمية واحدة ؛ و  الكراهة إذا أطلقت عندهم انصرفت إلى كراهة التحريم.

أما عند الشافعية فالكراهة شيء و الحرام شيء , لكن الدليل الظني عندهم كاف للتحريم , و الكراهة إن أطلقت عندهم انصرفت إلى الكراهة التنزيهية .

يتبع إن شاء الله ..

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.