نقاش مع ملحد ..(2)

يقول أحدهم مناقشاً :

تقولون في دينكم إن الله منزه عن الشريك , أليس هذا صحيحاً

قلت : بلى

قال : و تقولون إن الله قادر على كل شيء؟

قلت : نعم

قال : أفيستطيع الله أن يخلق إلهاً آخر ؟

قلت : إن سؤالك باطل فيه خلل .

قال : كيف ذلك؟

قلت : يا هذا , أن تقول :”أن يخلق الله إلهاً آخر” , أليس هذا فرضك ؟

قال : بلى

قلت : فهذا الإله الآخر حادث (ارجع إلى ماذكر عن القديم و الحادث في مقالة بعنوان: نقاش بين عالم من علماء المسلمين و أحد الملاحدة)

قال : نعم

قلت : أي إنه مفتقر في وجوده هذا إلى من يوجده و إلى من يمده بما ينجيه من العدم فهو غير واجب الوجود , و ينتج عن ذلك أنه ليس إلهاً , فانتقض الفرض الذي وضعته فالسؤال من أصله باطل .

قال : إذن , أغير السؤال , هل يستطيع الله أن يخلق صخرة ثم لا يستطيع حملها ؟

قلت : شأن هذا السؤال كشأن سابقه

قال : إنني قلت هذه المرة صخرة و لم أقل إلهاً

قلت : فأما أن يخلق فهو قادر , و أما ألا يستطيع فهو عاجز , فسؤالك متناقض , بل دعني أقول لك إنه لا يحمل من معنى السؤال إلا الشكل فقط

قال : كيف

قلت : كأني أقول لك : هل تستطيع أن تذهب و لا تذهب معاً في نفس الوقت غداً إلى عملك ؟

قال : نعم أذهب

قلت : ما هكذا قصدت , أعني هل تستطيع أن تجمع بين الذهاب و عدم الذهاب معاً في نفس الوقت إلى عملك ؟

قال : لم أفهم السؤال

قلت : لأنه ليس سؤالاً أصلاً , فحتى تفهم معنى السؤال الذي طرحته (و هذا محال) تعال لأجيبك عنه , فالحكم على الشيء فرع عن تصوره , و ينبغي أن تتصور معنى سؤالك قبل أن تسأله .

قال : بصراحة , فهمت عليك , و لكنني ما أزال أشك في قدرة الله التي تسمونها لا محدودة

قلت : إن تعلق قدرة الله عز و جل بالممكنات ليس دليلاً على عجز , فالإرادة تخصص الممكن و القدرة تنجز ذلك الممكن, و لا علاقة لهما بالمستحيل , و ليس هذا عيباً في الإرادة و لا في القدرة .

فأما ما كان مستحيلاً عقلاً , فإن خصصته الإرادة بالإمكان انتقى كونه مستحيلاً , فانتقض الفرض

و أما ما كان واجباً فتوجه الإرادة إليه بالوجوب تحصيل حاصل و هو باطل , و توجهها إليه بالإمكان ينفي كونه واجباً , فانتقض الفرض أيضاً

و طريقة نقض الفرض –كما تعلم- طريقة علمية دقيقة لا غبار عليها عند علماء المنطق .

قال : فماذا لو أردت أن أنقض الفرض ؟

قلت : هل تعني حقاً ما تقول ؟

قال : نعم , ماذا لو قلت لك إن الإله الذي سيخلقه الله جائز الوجود , هل يستطيع الله خلقه ؟

قلت : أضحكتني من هذا الإله جائز الوجود المفتقر إلى غيره و الذي يصح أن يمر عليه العدم, و عندئذ أقول لك يا صاحبي إن هناك فرقاً بين معنى الإله عندي و معناه عندك , فعندنا المسلمين , الإله واجب الوجود قوي قدير عظيم غير محتاج إلى غيره و كل من غيره محتاج إليه , أما إلهك الذي تتحدث عنه فغريب عجيب يصح أن ينعدم , فشأنه إذاً شأن أي مخلوق آخر كالحيوانات و الجمادات و غيرها , فإذا كان هذا فارجع إلى فكرك ملياً و ابحث عن تعريف الإله أولاً , فإذا اتفقت معي على تعريفه عندئذ تصح مناقشتي معك .

ثم إن عجبي منك لا ينقضي , فما حاجتك إلى إله يمر عليه الفناء و هو محتاج إلى غيره , ما حاجتك إليه طالما أن الباقي الأحد الصمد أزليٌ باقٍ غير فانٍ ؟

قال : لكنني لم أقل إن الإله الآخر سيفنى .

قلت : بلى يا عزيزي , قلت من دون أن تشعر , فحين قلت “يخلق الله إلهاً” يعني أن هذا الإله الآخر لم يكون موجوداً أصلاً أي مر وقت من الزمن كان فيه هذا الإله الآخر كما تدعيه مطوياً في غياهب العدم , و من صح أن يمر عليه العدم لا يسمى إلهاً إلا إذا أردت أن تتخذ لنفسك من كل الممكنات و الحوادث آلهة فانطلق في هذه الدنيا فإن آلهتك لا تكاد تعد و لا تحصى , و اسمع إلى قول علمائنا :

من لا وجود لذاته من ذاته …. فوجوده لولاه* عين محال

و الحمد لله رب العالمين

——

*لولاه : أي لولا الله عز وجل .

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.